أحمد بن ابراهيم النقشبندي
221
شرح الحكم الغوثية
بمقام العبودية ، ولا يتم آداب هذا المقام إلّا بقطع المألوفات والعادات ؛ إذ من كان مع مألوفاته وعادته مائلا إليها كان عبدا لها ، والمقصود أن يكون عبدا لمولاه . ما أحببت شيئا إلّا وكنت له عبدا ومولا يحب أن تكون لغيره عبدا . قال صلى اللّه عليه وسلم : « تعس عبد الدرهم والدينار وتعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش « 1 » » شعر : أنت القتيل بكل من أحببته * فاختر لنفسك في الهوى من فاختر لنفسك يا أخي خدمة مولاك ، وإن عارضتك المحن والعوائق ، واشهد المر منها حلوا ، وتلذّذ به كما يتلذّذ بحلوة العسل كل ذائق . 94 - استلذاذك بالبلاء تحقق بالرضا . استلذاذا لبلاء أن يكون بكمال شهود المحبوب فيه ، ومن شهد المحبوب عمّه الرضا ، وغابت عنه الكروب . وكان أحد الفقراء المتجردين جالسا عند ذي النون رضي الله عنه ثلاثة أيام وهو لا يأكل شيئا ، ولا يسأل من أحد ذلك ، فدخل بعض الناس وهو يشتكي مما يجد من الحاجة ، فقال له ذلك الفقير : لو كنت صادقا لحصل لك ما تريد ، فقال : قم فاسأل لي . فقام ذلك الفقير وتوضأ ، وصلّى ركعتين ، وسأل اللّه لذلك الشخص ، فإذا هو طعام وثوب جديد ، فأخذهما وأعطاهما لذلك الشخص ، فقال ذو النون : لك عند اللّه هذا الجاه ، ولك ثلاثة أيام لا تأكل شيئا فلم لم تسأله ؟ . فقال له : قد عمّر قلبي بالرضا ، حتى لم يبق للسؤال محل ، ومن ذلك أيضا ما وقع للنسوة اللاتي قطعن أيديهن لما شاهدن جمال يوسف عليه السلام ، ولم يشعرن بذلك ؛ لاشتغالهن بمشاهدة ذلك الجمال .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1386 ) .